بين التضخم وسوء التغذية.. أزمات معيشية تهدد المجتمع الإيراني وتفجر الغضب

بين التضخم وسوء التغذية.. أزمات معيشية تهدد المجتمع الإيراني وتفجر الغضب
جانب من احتجاجات إيران

تشهد إيران خلال الأشهر الأخيرة تفاقماً غير مسبوق في أزمتها الاقتصادية، انعكس بشكل مباشر على تفاصيل الحياة اليومية للمواطنين، وخصوصاً على قدرتهم على تأمين غذاء كافٍ وصحي، فارتفاع الأسعار المتسارع، وتراجع القوة الشرائية، واتساع رقعة الفقر، كلها عوامل دفعت ملايين الأسر إلى تقليص استهلاكها الغذائي، واستبعاد مواد أساسية من موائدها، في مشهد يضع الأمن الغذائي على المحك ويكشف عن أزمة عميقة تتجاوز البعد الاقتصادي لتطول الصحة العامة والاستقرار الاجتماعي.

ووفق ما أوردته وكالة أنباء المرأة، الأربعاء، جاءت إيران في المرتبة الثانية عالمياً من حيث ارتفاع تضخم أسعار الغذاء بعد جنوب السودان، متقدمة على دول تعاني أوضاعاً إنسانية شديدة القسوة، ويعكس هذا التصنيف حجم الضغوط التي يواجهها المواطن الإيراني، ويؤكد أن أزمة الغذاء لم تعد استثناءً أو حالة مؤقتة، بل تحولت إلى واقع يومي يفرض نفسه على مختلف شرائح المجتمع.

تآكل القدرة الشرائية

الأزمة الاقتصادية الحادة والتقلبات المستمرة في أسعار السلع، ولا سيما المواد الغذائية داخل إيران، أدت إلى تراجع كبير في القدرة الشرائية للأسر الإيرانية، كثير من العائلات اضطرت إلى استبدال الأغذية الغنية بالبروتين والفيتامينات ببدائل رخيصة ومنخفضة القيمة الغذائية، فقط لسد الجوع، ومع مرور الوقت، تحولت هذه البدائل إلى نمط غذائي دائم، يحمل في طياته مخاطر صحية جسيمة.

وفرة زراعية بلا غذاء كافٍ

المفارقة أن إيران تمتلك مقومات طبيعية كبيرة تؤهلها لتحقيق الاكتفاء الغذائي، من تربة خصبة وتنوع مناخي يسمح بإنتاج محاصيل متعددة، إلا أن السياسات الاقتصادية والتشريعات القائمة حالت دون استفادة السكان من هذه الإمكانات، وتشير الإحصاءات إلى أن النظام الغذائي السائد يعتمد بشكل مفرط على الأرز والخبز، وهما مصدران يمنحان شعوراً مؤقتاً بالشبع دون تلبية الاحتياجات الغذائية الأساسية، ويبلغ متوسط استهلاك الفرد من القمح والأرز في إيران ثلاثة وستة أضعاف متوسط الاستهلاك في الدول المتقدمة، في حين يقل استهلاك اللحوم ومنتجات الألبان بنحو ستين وسبعين بالمئة على التوالي مقارنة بالمعدل العالمي.

في مدينة كرماشان تتجلى آثار هذه الأزمة بوضوح. شكيبا ق طالبة علوم التغذية في كرماشان تشير إلى أن الفقر الاقتصادي المستشري دفع العديد من الأسر التي تعيش تحت خط الفقر إلى الاعتماد على أرخص أنواع الطعام، وهذه الأغذية تفتقر إلى العناصر الغذائية الأساسية، ولا توفر سوى إحساس زائف بالامتلاء، وتوضح أن كثيراً من العائلات تعتمد على وجبات بسيطة مكونة من الخبز ومعجون الطماطم المقلي بالزيت والمخفف بالماء، وهو نمط غذائي يؤدي مع الوقت إلى نقص حاد في الفيتامينات والمعادن.

تداعيات صحية خطرة

هذا النوع من التغذية، بحسب المختصين، يؤدي إلى ضعف جهاز المناعة، وزيادة الإصابة بالأمراض المعدية والمزمنة، وتراجع القدرات البدنية والعقلية، ورغم أن الجوع في كرماشان قد لا يكون ظاهراً للعيان، إلا أن الواقع الصحي والاجتماعي يكشف عن أزمة صامتة تهدد مستقبل أجيال كاملة، وارتفاع معدلات البطالة والفقر، إلى جانب مشكلات اجتماعية مثل العنف، يجعل من المدينة بيئة خصبة لانعدام الأمن الغذائي.

عندما يقتل الفقر الصحة

في السنوات الأخيرة أدى التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة إلى استبعاد اللحوم ومنتجات الألبان والمكسرات من النظام الغذائي للعديد من الأسر، كثير من العائلات لا يستطيع تحمل كلفة شراء اللحوم إلا مرات قليلة في السنة، وفي أكتوبر الماضي، أعلن مدير مكتب تحسين التغذية المجتمعية في وزارة الصحة أن نحو خمسة وثلاثين بالمئة من الوفيات السنوية في إيران، والتي تبلغ نحو 400 ألف حالة، مرتبطة بمشكلات التغذية. هذا يعني أن نحو مئة وأربعين ألف شخص يفقدون حياتهم سنوياً بسبب سوء التغذية والجوع، وهو رقم يكشف حجم الكارثة الصحية.

مساعدات إلى الخارج وجوع في الداخل

تتزامن هذه الأزمة مع إعلان الهلال الأحمر الإيراني إرسال عشرة آلاف طن من المواد الغذائية إلى قطاع غزة، وبحسب متوسط الاستهلاك العالمي، فإن هذه الكمية تعادل غذاء نحو خمسة وعشرين ألف شخص لمدة عام كامل، وهذه المقارنة تبرز بوضوح أن المشكلة في إيران لا تكمن في نقص الغذاء، بل في سوء الإدارة والسياسات غير الفعالة التي تحرم السكان من حقهم في غذاء كافٍ وصحي.

التهميش والفقر الغذائي المطلق

في الأحياء المهمشة بولاية كرماشان تصف الناشطة المدنية شهنازي أوضاعاً أشد قسوة، حيث تقول إن العديد من العائلات في مناطق مثل أغاجان وشامان وجعفر آباد وكولي آباد لا تحصل حتى على أربع وجبات كاملة في الأسبوع، وكثير من هذه الأسر تفتقر إلى أبسط مفاهيم التغذية المتوازنة، وتعتمد على مخلفات الدواجن مثل أقدام ورؤوس الدجاج، وفي حالات أكثر قسوة تلجأ إلى جمع بقايا الطعام من القمامة.

الأطفال الضحايا الأضعف

الأطفال هم الفئة الأكثر تضرراً من هذا الفقر الغذائي، فهم لا يحصلون على غذاء صحي خلال مراحل النمو الحساسة، ما يترك آثاراً دائمة في صحتهم الجسدية والعقلية، وتشير أحدث إحصاءات وزارة الصحة في إيران إلى أن نحو ثمانية بالمئة من الأطفال دون سن الثانية عشرة يعانون سوء التغذية، وبحسب تقديرات ديمغرافية يبلغ عدد الأطفال في هذه الفئة العمرية نحو ثمانية عشر مليون طفل، ما يعني أن ما يقارب مليون طفل يواجهون سوء التغذية، وهو رقم يعادل تقريباً عدد سكان مدينة كرماشان.

دعم محدود لا يعالج الجذور

رغم خطورة هذه الأرقام، أعلنت السلطات أخيراً تخصيص دعم مالي للأطفال دون سن الخامسة الذين تظهر عليهم علامات سوء التغذية، غير أن خبراء يرون أن هذه الخطوة تبقى رمزية ولا تعالج جذور المشكلة، في ظل غياب سياسات شاملة تضمن الأمن الغذائي على المدى الطويل.

الغذاء بوصفه أداة هيمنة

يرى مراقبون أن أزمة الجوع لا يمكن حلها بقرارات قصيرة الأجل أو مساعدات محدودة، فهي تتطلب بنية تحتية قوية، وتخطيطاً طويل الأمد، وسياسات مستدامة في الإنتاج والتوزيع والدعم الاجتماعي، ويذهب بعضهم إلى أن إبقاء المجتمع في حالة فقر غذائي يخلق جيلاً أضعف وأكثر قابلية للسيطرة، حيث يصبح السعي وراء لقمة العيش أولوية تطغى على أي مطالب أخرى.

الجوع وقود الاحتجاجات

الاحتجاجات الشعبية التي اندلعت في الثامن والعشرين من ديسمبر في مدن إيرانية عدة كشفت أن الفقر والجوع لم يعودا مشكلة صامتة، فحرمان الناس من أبسط مقومات العيش حول الأزمة الاقتصادية إلى قوة سياسية متفجرة، وما يحدث في الشوارع اليوم هو انعكاس مباشر لسنوات من السياسات التي جعلت الحياة اليومية لا تطاق لملايين المواطنين، وربطت بين الجوع والغضب الشعبي في معادلة يصعب كسرها دون تغيير جذري.

تواجه إيران منذ سنوات أزمة اقتصادية مركبة، تفاقمت بفعل العقوبات الدولية وسوء الإدارة الداخلية، وأدت إلى تراجع قيمة العملة وارتفاع معدلات التضخم، ومع اعتماد شريحة واسعة من السكان على دخل محدود، أصبح الأمن الغذائي أحد أبرز التحديات الاجتماعية، ورغم امتلاك البلاد موارد زراعية كبيرة، فإن غياب سياسات توزيع عادلة ودعم فعلي للفئات الفقيرة أدى إلى انتشار سوء التغذية، خصوصاً بين الأطفال، هذه الأزمة لم تعد شأناً صحياً فحسب، بل تحولت إلى عامل رئيسي في زعزعة الاستقرار الاجتماعي، وأسهمت في تغذية موجات الاحتجاج، ما يجعل معالجة الفقر الغذائي شرطاً أساسياً لأي محاولة لاحتواء الغضب الشعبي وبناء مستقبل أكثر استقراراً.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية